السيد محمد حسين فضل الله
77
من وحي القرآن
الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَالْفِتْنَةُ عن الدين - في نظر الإسلام - أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ، لأن القتل يعني الموت الجسدي ، بينما تمثل الفتنة عن الدين الموت الروحي الذي يفقد الإنسان معه نفسه ، ويتحول إلى عنصر ضار للحياة بدلا من أن يكون عنصرا نافعا لها ، مما يجعل من الجريمة جريمة تتصل بالجانب الشخصي للإنسان ، وبالجانب العام لحياة المجتمع كله . وعلى ذلك الأساس أعطاها الإسلام طابع التحدي للحياة ، لأنها تحمل التحدي لكل ما تحمله الحياة التي يريدها اللّه للإنسان من الخير الشامل ، والمحبة المرتكزة على العدل ، والتصور الإيجابي لكل ما يواجه الإنسان من مشكلات على أساس الفكر الواقعي الإنساني المسؤول الذي لا يهرب من المشكلة بل يواجهها بشجاعة ، ولا يخضع للتاريخ بل يناقشه بمسؤولية ، ولا يتعبد للمحدود ، بشرا كان أو حجرا ، بل يتمثل فيه سر إبداع الخالق المطلق بعيدا عن كل نظرة ذاتية خاشعة للمخلوق . . . وهكذا يتحرر الإنسان في أجواء الدين السمح الذي يبني للإنسان شخصيته على أساس الحرية أمام كل شيء حوله ، ليجعله عبدا للّه وحده ، ويركز للحياة قواعدها على أساس العدل الذي يتجاوز الطبقية للمساواة ، والتمييز بين الناس للتنوع ، ولتوزيع الفرص على أساس الأدوار التي تحتاجها الحياة . . وفي هذا الجو ، أراد الإسلام للإنسان أن يقاتل الذين يحاربون فيه هذا التوجه الحر للحياة وهذه الحرية الخاشعة في محراب عبوديتها للّه . ولا يعتبر الإسلام مثل هذا القتال عدوانا على الآخرين ، بل دفاعا عن الإنسان والحياة ضد الذين يريدون قتل إنسانية الحياة في الإنسان . وإذا كانت الفتنة - وهي الصد عن الدين - تتمثل بالضغط النفسي ،